دخلت الحجرة….
على اليمين حائط يحوي باب الحجرة. على يساري الحائط ذي النافذة المطلة على الشارع، تبدو أنوار المدينة من خلف الستارة، زرقاء وحمراء، لا أثر للضوء الأصفر في الظلمة. تحت الشباك طاولة منخفضة، أجد عليها نموذجاً صغيراً للكرة الأرضية.
أخذ يعدل من ملابسه المهترئة التي يظنها بدلةً عسكريةً، و يلمع أغطية الزجاجات التي يظنها نياشين، و يضبط العملات المعدنية على كتفيه التي يظنها نجوماً و صقوراً. خرج الى الشارع، فوقف الناس الذين يظنوه جنرالاً و نظروا اليه باعجاب،
في يوم ما، و أنا أشاهد مسلسلا مملا، مر أبي أمام التلفزيون، شاهد عبد الحفيظ التطاوي، بوجنتيه البارزتين المكورتين، قال لي أن عم بشندي كان ليشبهه إذا ما تقدم به العمر.
بحسب أبي، أتى بشندي إلى دكان جدي طفلا في العاشرة من العمر او نحو ذلك. يجلس أمام الدكان متفرجا على العمال و هم يخرجون أجولة الرز و القمح، و يدخلون الأخرى الممتلئة بالأذرة و الشعير. ينتظر بشندي حتى أذان العصر، ميعاد إغلاق الدكان، ليجلس أمام الباب منتظرا الليل لينام. في أحد الأيام تقدم بشندي و أمسك بالمكنسة ليكنس الدكان، كانت الكناسة على الرغم من وضاعة الفعل ذات قيمة كبيرة، خلطة معتبرة من الحبوب المتفرقة، يربو وزنها على الرطلين في أقل الأحوال، تباع إلى أصحاب الخيول الأصيلة فقط، تلك الخيول التي تتغذى على خليط الحبوب المعتبر. راقب جدي بشندي و هو يكنس الدكان في همة خرقاء، بذل مجهودا إضافيا، و أضاع وقتا ثمينا حتى أن جدي أخرج ساعته الفضية من سيالته و تابع عقاربها. لكنه انتظر بشندي اللذي جمع الكناسة في شوال صغير و خرج من الدكان مسلما على جدي بحرارة شاكرا إياه على الكناسة. أمره جدي بالبقاء في الدكان حتى الصباح، حتى يأتي الغد ليقرر ما سيعمله بشندي، و أمر أحد صبيان المحل باللإتيان بخبز و جبن و زيتون لبشندي، انتظر قليلا. ثم أقفل الدكان و بشندي مستقر بداخله.
أمسك بمرفقي من الخلف، فاجأني تماما. واقف أنا على الرصيف أنتظر، ليأتي هذا فيضغط مرفقي و يطلب مساعدتي.
ألتفت لأجد رجلا سمينا أبيض البشرة، تغطي عينيه نظارة سوداء ستينية و وجهه متطلع إلى السماء. أعمى، كفيف، هذا أول انطباع، ثم أكتشف أنه سمين لدرجة التكور، كرة حية تتدحرج على قدمين، و لولا بياض بشرته المنير لظننت أني برفقة علاء و لي الدين.
أمشي في شارع شامبليون، ذاهب أنا للقاء أصحابي، وجدته واقفا أمامي بنظارته العجيبة ورأسه الحليق يلمع تحت عمود النور. أذهلني تواجده، كان عاديا كما أراه دوما، لكني لم أتوقع رؤيته أبدا. سلم علي ودعاني للجلوس على قهوة قريبة، جلسنا وأخذنا نتحدث، كنت مهتما به غاية الاهتمام، مستمعا جيدا، على الرغم من أني لم أكن كذلك من قبل، ضاحكا بصدق على نكاته وتعليقاته التي كنت أراها سمجة. تابعت ما يحكيه عن بحثه المستمر عن شقة مناسبة في وسط البلد،
