السطور المائلة تلخيص لآراء و مشاهدات أحد سكان مصر الجديدة القدامى

في شارع الأهرام و أمام سور القصر الجمهوري ، في آخر ممر ضيق طويل ، ستجد محرم
محرم هو أكبر مورد لشرائط الكاسيت و الاسطوانات الأجنبيه في التسعينات ، كنا اسبوعيا نقوم بزيارته لنتعرف على ما قام ب “استيراده”  لنا ، غالبا ما كان محرم يضرب بالمصنفات الفنية عرض الحائط ، فينسخ الاسطوانات على شرائط كاسيت ، ثم يقوم ببيعها لنا بسعر أرخص كثيرا من سعر الاسطوانة ، محرم كان معروفا بقدرته الاسطورية على “ايجاد” أي اسطوانة نادرة ، بشكل ما يستطيع محرم الحصول عليها من خارج مصر ، و أثناء سعينا المراهق لكل ما هو مختلف و ممنوع وشاذ ، كان محرم عونا لنا دائما ، في آخر زيارة فوجئت بمحرم و قد أصبح عضوا في الحزب الوطني ، بل و رئيسا للجنة الشباب ، و سبحان من له الدوام
قريبا من محرم ، على نفس الرصيف ، هناك كافتريا شهيرة قديمة ، شيش كباب عادل كان المكان المفضل للجيل السابق لي مباشرة ، عرفني عليه صديق يكبرني بعشر سنوات ، تعجب كثيرا لما أخبرته أنى لا أعرف المكان ، و لما وصلنا ظهر الحزن على وجهه ، المطعم تقريبا بلا رواد ، لا زبائن على الإطلاق ، أخبرني أن المكان كان مزدحما على الدوام ، في الثمانينيات كان الأغنياء فقط يقفون أمام الرصيف ، جالسين في سيارتهم الريتمو أو ال 28 أو ال 27 ، يطلبون السندويشات ، و يأكلونها بتمهل ، و ينظرون للآخرين الجالسين على الرصيف في حرم شيش كباب عادل بتعال ، فسيارتهم تميزهم
بدأ محرم بمحل آخر صغير بالقرب من أدهم بارك ، على الناحية الأخرى من شارع الأهرام ، و تطور حتى وصل الى مكانه الحالي ، لا تجعلوا الاسم يخدعكم ، أدهم بارك مساحه صغيرة جدا من الأرض تحوى اربع أو خمس ألعاب كهربائية للأطفال ، و لا ترقى لمستوى أو مساحة “البارك” أبدا ، قريبا منها ، و على الناصية ، سنجد مطعم ماجيك ، هناك ستأكل ألذ أيس كريم في الدنيا ، أحد أصدقائي كان يسميه “أيس كريم من زمن الحب”.
كانت فسحتنا الاسبوعية بسيطه و مكرره ، عادة ما نذهب الى سينما كريستال ، نشاهد العرض ، ثم بعد ذلك ناكل السندوتشات و الأيس كريم في كافيتريا ماجيك و هو ربما الفرع الرئيسي لماجيك الآخر في شارع الأهرام ، بعد التحاقي بكلية طب عين شمس اكتشفت أن أحد العاملين في كافيتريا ماجيك كان عاملا في معمل كلية العلوم ، حيث كنا نتلقى المحاضرات في السنة الاولى ، بالطبع سينما كريستال انتهت الآن و لكن ماجيك مازال موجودا و ان كان مستواه أقل كثيرا مما كان عليه
كنا نتشى بمحاذاة خط المترو حتى نصل الى
آخر محطة ، ثم نجلس على دكة المحطة و نقضى وقتنا هناك ، كنا نتفرج على طلبة الكلية الحربية الذهبين أو العائدين الى الكلية عن طريق المترو ، ربما كان هذا ما أثر في و رغبني في الالتحاق بالكلية الحربية ، لم أتمكن من الالتحاق بها ، و التحقت بكلية الطب

هناك حدود فاصله لمصر الجديدة دائما ، ما إن يعبر المترو صلاح سالم و يدخل الى مساكن الشيراتون حتى أشعر بالتغيير ، الهواء هناك سمج ، المباني قبيحه ، واجهات المباني ثمانينية خامله ، كئيبة و ذات كتل ضخمه ، و لا أعلم لماذا كانوا يصرون على الألوان الغامقة في تلك الأماكن ، معظم المباني خاصة بشركة مصر الجديدة للانشاء و التعمير ، الشركة التي أسسها البارون إمبان و تم تأميمها بعد ذلك ، غيرت الشركة الكثير في وجه مصر الجديدة في الأغلب كان تغييرا للأحسن ، أما إهمال قصر البارون فخطأ لا ينسى أبدا

المنطقة من عند نافورة روكسي و حتى جسر السويس كانت مركزا لسباق الخيل ، مكان سينما روكسي و الحمرا الحاليتين كانت شبابيك توزيع تذاكر المراهنات كانت المراهنات منتشرة جدا ، و كان لسباق الخيل زهوه و جمهوره ، بينما كانت حديقة المريلاند مضمار السباق نفسه ، خلف المريلاند حيث يقع الآن شارع نهرو و شارع الأندلس كانت اصطبلات الخيول ، و ظلت هذه المنطقة اصطبلات لفترة طويلة حتى بعد نقل السباق ، الآن السباق انتقل الى نادي الشمس ، و لم يعد له نفس الزهو القديم

دخلت المريلاند حينما كنت صغيرا ، والدي كان يصحبنا الى هناك ، يجلس هو صامتا كعادته عندما يجلس في الأماكن العامة بينما نلهو نحن و نطعم بط البحيرات الصغيرة الفول السوداني و اللب ، ربما كنا سبب في تغيير العادات الغذائية لبط المريلاند ، بعيدا كانت هناك حديقة حيوانات مصغرة ، لا أذكر منها إلا أسدا شائخا هادئا ، يفرد قائمتيه أمامه و ينتظر شيئا ما ، غير أسد المريلاند نظرتي تجاه الأسود تماما ، كنت أحب كثيرا الكاساتا التي يقدمها الجرسون ، كنا في سن لا يسمح لنا بالاختيار ، كان والدي يطلب لنا الكاساتا أو شويبس أو كراش على حسب مزاجه ، كنت أستمتع بالذهاب الى المريلاند دائما
منذ عشر سنوات تغير المريلاند كثيرا ، قبلها ظل فترة طويلة مهملا ، و في كساد مستمر ، ثم قررت شركة مصر الجديدة تأجيره الى عدد من المطاعم و المقاهي العالمية ، اليوم أجد المريلاند مختلفا ، غير المريلاند البسيط الذي اعتدته ، أسعاره مرتفعه ، و غير حميمي كالمريلاند القديم
اليوم ، هناك شارع موازي لضلع المريلاند من الناحية الأخرى ، شارع نهرو هو أغلى شارع سكني في مصر الجديدة و ربما في القاهرة ، هناك من الصعب الحصول على شقه ، و اذا وجدت ، فستدفع مبلغا خياليا للحصول عليها ، تخيل ، تستيقظ يوميا على منشهد الشمس الصاعده من خلف حديقة المريلاند ، تخيل ، الهواء المحمل برائحه النجيلة المشذبه حديثا و الأزهار الندية تضرب وجهك كل صباح لتنعشك ، أظن أن الشقة هناك تستحق السعر العالي

التطور العمراني الكبير لم يحدث الا بعد عام 75 ، قبل ذلك كانت معظم مصر الجديدة صحراء ، المنطقة الوحيده القديمة هي شارع ابراهيم اللقاني و الكوربة ، ما بعد ميدان تيريامف و حتى ميدان الحجاز كانت أرض فضاء ، كما ذكرت ، كانت متعتنا في الجلوس على دكة آخر محطة مترو ، كانت المنطقة خاليه تماما في ذلك الوقت ، الخلالء كان صفة من صفات مصر الجديدة حتى السبعينات ، في الستينات التحقت بالكلية الحربية ، الموجوده في نفس المكان حتى الآن ، قبل ذلك كان مقر الكلية الحربية مكان وزارة الدفاع الحالية في كوبري القبة ، المنطقة المحيطة بالكلية الحربية كانت خاليه تماما ، لا شيء على الإطلاق ، حتى أن سيارات الجيش كانت تنقلنا صباحا حتى  سور المطار ، بعدها كنا نجرى حتى الكلية ، كان اختراق الضاحية مسابقه مهمة وقتها ، كنا أثناء الجري لا نرى مخلوقا طوال الطريق

لا أعلم من أين تأتي كل هذه السيارات؟ شارع بيروت مزدحم و مقفل تماما ، تأخرت كثيرا عن ميعادي ، و بعد الاتصال اكتشفت أن الآخر سيتأخر أيضا ، اشتكى من الزحام و اعتذر عن التأخير .
ربما أفضل طريقة للتنقل في المناطق التجارية في مصر الجديدة هي السير على الأقدام ، منطقة ميدان الحجاز و شارع عبد الحميد بدوي منطقة سكنية ، و لا زحام ملحوظ هناك ، هناك الكثير من السيارات تشغل جانبي الطريق بالطبع ، عند انشاء العمارات في السبعينات و الستينات لم يتوقع المخطوطون مقدار الزياده الكبيره في السيارات و الناس ، لذلك لم يشترطوا على اصحاب المباني انشاء بدروم لاستخدامه كجراج لساكني المبنى ، و كانت النتيجة في الزحام الذي نراه اليوم ، الذي أدي الى ضيق الشوارع التي كانت واسعه
مصر الجديدة كانت ممتازة التخطيط ، نحن دمرناها حديثا فقط ، بغباءنا و عدم تقديرنا للأمور ، و أيضا طمعا في الشهرة و المال ، المباني الضخمة الحديثة ذات العشرة طوابق ، المجمعات التجارية القبيحه ، المباني الحكومية و المستشفيات ذات الطابع المعماري البليد ، كلها ساهمت في التشويه ، طبعا بالاضافة الى زيادة الزحام
بجانب كنيسة البازيليك كانت هناك سينما فاروق ، التي تغيرت بعد الثورة الى سينما الحرية ، ثم تغيرت في التسعينات الى الحرية مول ، الحرية مول مجمع تجاري قبيح ، في المول أيضا سينما في الطابق الأخير بنفس اسم السينما القديم ، كانت سينما الحرية الجديدة مكانا محبوبا بالنسبة لي ، مقارنة بباقي دور العرض في مصر الجديدة في ذلك الوقت ، و لكن شكل المبنى الخارجي كان يصيبني بالقرف و بالتأكيد يجعل البارون امبان المدفون على بعد أمتار يتقلب في قبره ، السيراميك الذي يغطي الواجهه يذكرني بحمام السباحه المقلوب ، و شذوذه الظاهر وسط المباني ذات الأسطح الخشنة غير اللامعه كان منفرا للعين دائما ، و كان المصمم تعمد أن يكون الشكل منفرا لكي يلفت الأنظار ، المول رأسي ، كعادة المخططين الأغبياء دائما ، سبعة أو ثمانية طوابق ، و سلالم  كهربائية تربط بينها ، رواد المول في صعود و هبوط مستمر ، فمساحة المول صغيرة جدا ، و تكفى دقائق قليلة للمرور على جميع المحلات في الطابق الواحد ، لتعود الى رحلة الطواف الرأسي مرة أخرى ، احترق المول في التسعينات مما أراح البارون بلا شك ، كان المول في أوجه في ذلك الوقت ، مزدحما طوال الوقت ، كانوا في العادة لا يبتاعون شيئا ، مجرد دخول المول السيراميكي الكهربائي المضيء كانت متعه لبعض الناس ، بعد الحريق تم اغلاقه لفترة طويلة ، سبب الحريق مشاكل أخرى كثيرة ، تم تطبيق اشتراطات السلامه في المجمعات التجارية الصغيرة الأخرى في مصر الجديدة ، مما سبب اغلاقها لفترة قصيرة أيضا ، في ذلك الوقت بدأت الجاذبية تنسحب الى مدينة نصر شيئا فشيئا ، المجمعات التجارية هناك كانت أكبر و أكثير سيراميكية ، السيراميك في التسعينييات كان مقياسا للحضارة

بالقرب من الحرية مول و على الناحية الأخرى من الطريق تجد بالميرا الصغرى ، مازال المطعم الصغير محافظا على خصوصيته و جماله ، الذهاب الى بالميرا نزهه ، الأناقة و الهدوء و عازف البيانو الخفي هم الهدف الحقيقي للنزهه ، الطعام موجود في أماكن كثيره فلا أهتم به كثيرا في بالميرا ، على الناحية الأخرى هناك بالميرا الكبرى ، لسبب ما ، كان بالميرا الكبير مهملا جدا ، لم أزره أبدا ، لم أره مميزا أيضا ، قريبا تم تحويل جزء من بالميرا الكبرى الى مقهى ذو طراز ثوري حديث مكانه ، و نحن الآن في انتظار غضب البارون الذي لن يتأخر.

في آخر الشارع و قبل الكنيسه بقليل حلواني إيليت ، أتذكر كلمات امي “روح بعد الساعه اتنين ، عشان العربية بتجيب الحاجه الطازة الساعه اتنين” أدخل المحل فأجد نفس السيد المهذب ، جلسا على الطاولة المرتفعه ، يستمتع بقهوته و ما يأكله ، و كأنه أيضا يعلم السر كما تعلمه أمي ، أسمع السيده الجالسه على الكاشير تنادي أحد الفتيات العاملات و تسألها “عندك كسر يا….؟” ، أتذكر السيده جيدا ، منذ عدة سنوات كانت تبتسم بهدوء مظهرة أسنانها اللامعه عندما تطلب منك الحساب ، في أحد الأيام فوجئت بوجهها المحايد الجديد ، لا أعلم هل اختفت الابتسامه تدريجيا و لم ألاحظ ذلك ، أم أنها اختفت فجأه بفعل حادث أو بفعل خبر سيء ، دخل عسكري رث الثياب ملوحا بذراعيه في بلاهه و هو ينطق بكلمات لم أفهم منها شيئا ، بدا أنه محرج من الموقف ، بدا أنه ينقل اعتراضات شخص ما على وضع اسطوانات الغاز على الرصيف ، اقتربت منه إحدى الفتيات و ناولته طبقا مليئا بكسر الجاتوه ، صمت تماما و أمسك الطبق و رحل
التفت لأدفع للسيده ذات الوجه الذي كان مبتسما ، لأرى وجهها المحايد و قد تحول الى القرف التام

عشت طوال عمري بالقرب من شارع جسر السويس ، على الجانب الآخر من مصر الجديدة ، جسر السويس يفصل بين مصر الجديدة من ناحية و الزيتون و عين شمس من ناحية أخرى ، دائما كنت أتطلع الى السكن على الجانب الآخر من الشارع ، أتخيل نفسي دائما جالسا في أحد الشرفات الضخمة المطلة على شارع  ابراهيم اللقاني ، أو مقيما في شقة ذات سقف مرتفع في شارع متفرع من ميدان الاسماعيلية ، ربما لن أغير شيئا من أثاثها القديم ، سأحتفظ بالكنب الرشيق و الطاولات المرتفعه ، و البلاط على الأرض ، سأبحث عن درج أو ضلفه سحرية في الحوائط ، سأتأمل النقوش على واجهة المبنى المقابل لي ، سأدقق النظر في النسب و الأبعاد ، و سيبهرني حتما مدى التطابق بين كل نقش و مثيله ، سأتعجب حتما من مدى دقة استدارة المنحنيات و أنصاف الدوائر و رقة الأقواس المحددة للشرفات ، و الجرانيت الصناعي للأعمده التي ترفع البواكي ، الذي حسبته حجر جرانيت حقيقي لفترة قريبه جدا
ما هي إلا أحلام ، بالطبع لن أسكن هناك أبدا ، ربما أنتقل في المستقبل الى القاهرة الجديدة ، الأحوال المادية لا تتيح لي السكن في مصر الجديدة هذه الأيام ، أيضا الزحام اليومي لا بشجع على السكن في مصر الجديدة الآن ، الحي تغير كثيرا ، و بالتدريج أصبح أكثر شبها ب مدينة نصر ذات المباني سافلة القباحة

أول بيت عشت فيه كان في ميدان الجامع ، بالقرب من قسم مصر الجديدة ، انتقلت بعدها الى شارع صلاح الدين ، على بعد خطوات فقط ، ثم في السبعينيات ابتعدت الى ميدان السبع عمارات ، و أنا الى الآن مستقر في نفس الشقة ، كنت أفكر دائما في تطوير محل سكني ، لا أحب السكون ، أرى أن المرء يجب أن يتعايش مع التطورات المحيطه به دائما ، حجزت قطعة أرض في حدائق الأهرام ، كان ذلك في منتصف الستينيات ، تعثر المشروع و ظل فترة طويلة جدا متعثرا ، على عكس الحال هذه الأيام ، خلال الفترة الماضيه كنت احاول الحصول على أرض مناسبه في أحد المدن الجديدة ، العاشر من رمضان ثم العبور ثم القاهرة الجديدة في كل مره كنت أكتشف أن المدينة غير صالحة للسكن ، بالطبع يجب أن يكون هناك حد أدنى من العمران ، بالاضافة الى توفر خدمات لا غنى عنها و نجدها بسهولة بالقرب من منزلي الحالي ، و بصراحة ، من تعود على العيش في مصر الجديدة لا يمكن أن يبدلها بمكان أقل منها على الاطلاق ، كما أني لا أحب أن أقف في وجه التطور ، هناك رغبة عامة في الانتقال الى المدن الجديدة ، في النهاية ، وجدت أن القاهرة الجديدة أنسب الأماكن ، الآن أبني فيلا في القاهرة الجديدة .
أسعار الشقق في مصر الجديدة أصبحت مرتفعه كثيرا ، مما يجعل
الانتقال الى القاهرة الجديدة مثلا بديل أرخص ، فبنفس السعر قد تحصل على ضعف المساحه ، بالإضافة الى رغبتي في التخلص من الزحام و مشاكله ، و التوتر العصبي المصاحب للضوضاء ، كل هذا كان سببا للانتقال الى القاهرة الجديدة
ما يثير غضبي هو الانتقاد الدائم لسكان القاهرة الجديدة ،
وسائل الاعلام لا هم لها الا انتقاد سكان الجولف و سكان مارينا ، و اظهارهم في هيئة اللصوص و الحراميه ، تعمير القارهة الجديدة تم بمباركة الدولة و تشجيعها ، أنا ابتعت الأرض من الدولة و أديت ثمنها كاملا من مالي الخاص ، و شاركت في تعمير المكان ، أيكون هذا جزائي في النهاية؟

تبدو بدايات المدن الجديدة مشابهه كثيرا لبداية مصر الجديدة ، الرحاب مثلا مقاربه لمصر الجديدة ، حتى تكاد تكون نسخه منها ، مع الاعتراف بالتفاوت الكبير في النسب بشكل عام لصالح مصر الجديدة ، نوادي مصر الجديدة كانت أكثر و أجمل ، شوارع مصر الجديدة كانت أعرض ، و ميادينها كانت أوسع ، مواصلات مصر الجديدة كانت غير تقليدية و مميزه ، شقق مصر الجديدة كانت ارحب ، و بالتأكيد كانت أرخص كثيرا ، و لكن الرحاب تجربة محدودة ، فهي المدينة الوحيده التي أنشأتها شركة خاصة ، بينما يقبل الناس الآن على أراضي المدن الجديدة التي تتولى وزارة الاسكان تخطيطها و بيعها
على الطريق الدائري ترتاح القاهرة الجديدة ، كما كانت مدينة مصر ترتاح على طريق النصر ، هي نسخه طبق الأصل من مدينة نصر ، طبعا قبل تشويه مدينة نصر على أيدي رؤساء الحي و المستثمرين ، ستكون القصة غالبا مكرره ، المواطنون يبتاعون من الدولة أراض في التجمع الخامس (القاهرة الجديدة تضم التجمعات الأول و الثالث و الخامس) ، بعضهم سيبنيها فورا ليسكن فيها ، بعضهم سيبنيها ليسكن فيها أولاده ، بعضهم سيبقيها ليبيعها بعد فترة بفرق سعر
بدأ تعمير القاهرة الجديدة منذ عشر سنوات تقريبا ، المبانى المبكره كانت بسيطه و متناسقة ، ذات واجهات فقيره من وجهة نظر البعض ، بينما هي في الحقيقة عملية و غير مكلفة ، تدريجيا تبدأ المباني في التطور ، يبدأ المعماريون في زيادة التفاصيل و الزخارف على واجهات المباني ، يطلب مالك المبنى منهم تصميما مشابها لتصميم فلان ، ثم يطلب منهم اضافة بعض الأشكال هنا و هناك ، ثم يأتي مالك آخر ليطلب اضافة تفصيلة أخرى على التصميم السابقة ، سنرى حتما خلطا معيبا لكل ما عرفه الإنسان من تفاصيل معمارية ، لن أنسى اللوحة الضخمة المرفوعه أمام أحد الفيلات “هذا القصر تم تصميمه على طراز الباروك الروماني” و الأخرى ” تصميم العماره مستوحى من تصميم قصر النهضه في روما”
الظاهرة الجديدة تماما ، المجمعات السكنية ، عمارات أو فيلات محاطه بسور ذو بوابه ، منفذ واحد للمجمع السكني أو منفذين ، للتعرف على هويات الداخلين عند الحاجه ، الكثير من العمال ينتقدون سكان المجمعات بشده ، هم يرونهم لصوص و حراميه ، يحتمون بسور ، خوفا من الغلابة و الفقراء ، و الا ما فائدة السور؟ ، الاعلان له دور كبير في الترويج لفكرة السور الفاصل بين مجتمعين ، المميزات كما يظهرها الاعلان تدور حول الهدوء و العزله المحيطه بالمجمع السكني ، هناك رسائل مخبأه دائما في الاعلان تعدك بأن جارك لن يكون “بيئة” أبدا ، يبشرك الإعلان بأن  الفيلات مرتفعة الثمن لا يسكنها الفقراء و الموظفون – قد يسكنها تجار المخدرات – أما الفقراء فلا
الكثير من سكان المجمعات السكنية مظلومون ، منذ عدة سنوات كانت أسعار الفيلات في المجمعات السكنية مقاربة لأسعار الفيلات في الأماكن الأخرى ، مع الوقت و بفعل الدعاية ارتفع سعرها كثيرا ، و مع طريقتنا المعروفة في تضخيم الصغير و تهويل التافه ، انتشرت الشائعات عن أسعار الفيلات المرتفعه ، وأضاف كل متحدث ربع مليون على سعر الفيلا كما سمعه ، و تضاعفت الأسعار حتى وصلت الى عشرات الملايين ، بينما السعر الحقيقي أقل كثيرا من المشاع .
التغيير سريع جدا هناك ، المباني تقام بسرعه ، حتى إن أحياء كاملة داخل القاهرة الجديدة قد تم بناءها بالكامل ، ذكرت أن هناك تشابها بينها و بين مدينة نصر ، في الواقع ، مدينة نصر كانت مستقر القادمين من خارج القاهرة في أول الأمر ، نظرا لرخص أسعار الشقق هناك ، الطفرة الهائلة لم تحدث الا في الثمانينيات و التسعينيات ، زيادة الأسعار غير المفهومة و غير المبررة في مدينة نصر ، بينما الشقق و الفيلات مرتفعة الثمن في القاهرة الجديدة الآن ، أرخص قليلا من مدينة نصر ، و أرخص كثيرا من مصر الجديدة ، مما جعل سكان مدينة نصر و مصر الجديدة يفكرون في الانتقال الى هناك ، الأمر الذي يبشر بهجرة جماعية جديدة.

  • Share/Bookmark