في يوم ما، و أنا أشاهد مسلسلا مملا، مر أبي أمام التلفزيون، شاهد عبد الحفيظ التطاوي، بوجنتيه البارزتين المكورتين، قال لي أن عم بشندي كان ليشبهه إذا ما تقدم به العمر.
بحسب أبي، أتى بشندي إلى دكان جدي طفلا في العاشرة من العمر او نحو ذلك. يجلس أمام الدكان متفرجا على العمال و هم يخرجون أجولة الرز و القمح، و يدخلون الأخرى الممتلئة بالأذرة و الشعير. ينتظر بشندي حتى أذان العصر، ميعاد إغلاق الدكان، ليجلس أمام الباب منتظرا الليل لينام. في أحد الأيام تقدم بشندي و أمسك بالمكنسة ليكنس الدكان، كانت الكناسة على الرغم من وضاعة الفعل ذات قيمة كبيرة، خلطة معتبرة من الحبوب المتفرقة، يربو وزنها على الرطلين في أقل الأحوال، تباع إلى أصحاب الخيول الأصيلة فقط، تلك الخيول التي تتغذى على خليط الحبوب المعتبر. راقب جدي بشندي و هو يكنس الدكان في همة خرقاء، بذل مجهودا إضافيا، و أضاع وقتا ثمينا حتى أن جدي أخرج ساعته الفضية من سيالته و تابع عقاربها. لكنه انتظر بشندي اللذي جمع الكناسة في شوال صغير و خرج من الدكان مسلما على جدي بحرارة شاكرا إياه على الكناسة. أمره جدي بالبقاء في الدكان حتى الصباح، حتى يأتي الغد ليقرر ما سيعمله بشندي، و أمر أحد صبيان المحل باللإتيان بخبز و جبن و زيتون لبشندي، انتظر قليلا. ثم أقفل الدكان و بشندي مستقر بداخله.
أمسك بمرفقي من الخلف، فاجأني تماما. واقف أنا على الرصيف أنتظر، ليأتي هذا فيضغط مرفقي و يطلب مساعدتي.
ألتفت لأجد رجلا سمينا أبيض البشرة، تغطي عينيه نظارة سوداء ستينية و وجهه متطلع إلى السماء. أعمى، كفيف، هذا أول انطباع، ثم أكتشف أنه سمين لدرجة التكور، كرة حية تتدحرج على قدمين، و لولا بياض بشرته المنير لظننت أني برفقة علاء و لي الدين.
أمشي في شارع شامبليون، ذاهب أنا للقاء أصحابي، وجدته واقفا أمامي بنظارته العجيبة ورأسه الحليق يلمع تحت عمود النور. أذهلني تواجده، كان عاديا كما أراه دوما، لكني لم أتوقع رؤيته أبدا. سلم علي ودعاني للجلوس على قهوة قريبة، جلسنا وأخذنا نتحدث، كنت مهتما به غاية الاهتمام، مستمعا جيدا، على الرغم من أني لم أكن كذلك من قبل، ضاحكا بصدق على نكاته وتعليقاته التي كنت أراها سمجة. تابعت ما يحكيه عن بحثه المستمر عن شقة مناسبة في وسط البلد،
1
أمشي إلى الميدان الكبير، الشوارع مضاءة بأنوار صفراء، أعمدة النور تضيء ما تحتها فقط، بينما ما حولها يبدو نصف مظلم. ضباب خفيف ينتشر فوق المكان، والهواء واقف تماماً، كأننا في أول فصل الصيف، حيث نجد أياما حارة تتبع أياما باردة، فنتعجب التغير المفاجيء في الجو ودرجة الحرارة. أقابل هيثم في الميدان، لم أره منذ عشر سنوات أو أكثر، من أيام المدرسة الثانوية، كان زميلي في الفصل، لكنه لم يكن صديقا. يلعب هيثم بكرة، يضربها بقدميه ورأسه، يرفعها عاليا لتتلقفها قدمه مرة أخرى. يناولني الكرة ويقول: جرب.
اتصلت بي، أخبرتني أن أحد حوائط الغرفة قد اتسخ، كنت قد أنهيت دهان الغرفة بالأمس، و تركت القليل المتبقى من الدهان تحسبا لمثل هذا الموقف. طمأنتها، سآتي حالا ً و ُأعيد دهان الجزء المتسخ، لا حاجة الى عامل أو نقاش ليقوم بالعمل، طالما الجزء المتسخ صغير المساحة.
